لماذا يُترك لبنان في حالة «إدارة أزمة» لا حلّها؟

شباط 2026 الساعة 23:36
لماذا يُترك لبنان في حالة «إدارة أزمة» لا حلّها؟

A- A+

نعيش في بلد يشهد بشكل متواصل تخبطا سياسيا وخضات امنية، حتى باتت هذه الاجواء تقليدا لبنانيا طبيعيا، في حين ان الاستقرار والثبات والهدوء قد تحولت الى فترات وجيزة سرعان ما تنتهي مدتها او «مهلتها».

لبنان يعيش دوما في حالة «ادارة الازمة»، بهدف احتوائها قدر الامكان، بينما لم يعرف هذا البلد الصغير المسكين يوما مقاربة لحل الازمة، عبر تسليط الضوء على المشكلات المزمنة، وعرض حلول جذرية لانهائها. ولكن ليس هذا المطلوب لا داخليا ولا خارجيا!!

بكل بساطة، هذه الحلقة المفرغة التي يدور فيها لبنان منذ عقود، تتقاطع فيها ضغوط وعوامل خارجية مع عقد داخلية، حيث ان تمسك اكثرية القوى السياسية بنفوذها في قلب الدولة، وغياب المساءلة وضعف مؤسسات الدولة، تحرم لبنان من الوصول الى حالة الاستقرار والهدوء، ويتزامن ذلك مع قرار خارجي بترك الامور سيئة، ولكن بعدم تطورها الى حد الانفجار. بيد ان هناك احزابا سياسية اذا قبلت ادخال الاصلاحات الفعلية وقيام محاسبة حقيقية، فهذا يعني نهايتها. وعلى هذا الاساس يظل الداخل اللبناني في اجواء سيئة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولكن «تحت السيطرة».

وبصورة اوضح، اكثرية الاحزاب السياسية المهمة في لبنان، تسعى جاهدة إلى الحفاظ على شبكات نفوذها، ولا تتخلى عن مكتساباتها. ورغم وجود خلاف سياسي عميق بين احزاب وقوى لبنانية عديدة، فإنها عندما تواجه استحقاقا مهما على غرار الانهيار المالي، يحصل اجماع بين معظم القوى السياسية ، ويتركون الحمل الثقيل على المواطن.

اليس هذا ما حصل؟ اليس المودع هو من دفع فاتورة الانهيار المالي وخسارة جنى عمره؟ هل تم طرح حل عادل يحل ازمة الودائع؟ ام كالعادة تمت ادارة الازمة وليس حلها؟ هذا المثال الذي اعطيناه هو واحد من بين مئة او الف مشكلة شهدها المواطن اللبناني ولم ير يوما حلا، بل ترقيعا للازمة، لانه لا يوجد قرار على مستوى عالٍ يقضي بحل الازمة، بل النموذج السائد هو بمواصلة سد الثُغر، بما ان المصلحة الآنية تغلب المصلحة الوطنية.

اذا، الحلول في المفهوم اللبناني هي التسويات، شراء الوقت، لعنة الانتظار، اضاعة الوقت وتدابير مؤقتة وأحيانا عشوائية. نعم، هذه الحلول التي تعتمد دائما ومنذ عقود، في مقاربة العقبات والمشاكل في لبنان، ولذلك لم يعرف هذا البلد سنة من الاستقرار الحقيقي، ولا برنامجا اصلاحيا متكاملأ يمكن الاعتماد عليه.

اما اذا تكلمنا على دور المجتمع الدولي، والتوازنات الاقليمية في التعاطي مع لبنان، فلم يعد خافيا على احد ان المجتمع الدولي يعمل على قاعدة ضبط الامور بشكل مؤقت، ويربط اعطاء المساعدة المالية، مقابل تحقيق خطوات محددة من قبل الدولة اللبنانية، انما في الحقيقية هذه المطالب تؤكد انه لا يسعى لطرح انقاذ حقيقي للبنان، بل اداة ضغط وابتزاز بهدف التحكم بدولتنا.

اضف إلى ذلك، وبما ان لبنان يقع على خط «هزات وزلازل امنية وسياسية» في منطقة ملتهبة، هذه الحقائق الجغرافية، تضعه في موقع حساس وتجاذب بين الدول الاقليمية المتصارعة فيما بينها. ذلك ان هذه الدول لا تسعى الى تمكين لبنان، من بناء دولة قوية وقادرة على اتخاذ قرار مستقل، كما لا ترغب في انهياره الكامل، لما يحمله ذلك من تداعيات أمنية. لذلك، يُترك البلد في منطقة رمادية: لا انفجار شامل ولا تعاف فعلي.

هذا الواقع ينعكس شللا في القرار السياسي، حيث تُربط الاستحقاقات الداخلية بتطورات خارجية، وتُؤجل الحلول بانتظار تبدّل موازين القوى في الاقليم. وهكذا، تتحول الازمة اللبنانية الى جزء من معادلة اقليمية أوسع، تُدار وفق منطق التوازن والاحتواء، لا وفق منطق الحلّ وبناء الدولة.

في نهاية المطاف، سيبقى لبنان على حاله، ما لم تصبح الذهنية والعقلية في ادارة الحكم ترتكز على شجاعة في مواجهة الازمات داخليا، وتحصين الساحة اللبنانية الداخلية جيدا. اما الخاسر الاكبر، بل كبش الفداء فهو الشعب اللبناني المظلوم، لانه بين التردد والتأجيل والتسويات، يغرق في حالة يأس وإحباط «دائمين».

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration