ما ترونه ليس ما تظنّون

ما ترونه ليس ما تظنّون

A- A+


في لبنان، كما في كل البلدان التي تُدار بالتصريحات، لا تُقاس السيادة بما يحدث، بل بما يُقال عنها. وهي مثل الصحة الجيدة عند بعض الأطباء، تكون في أفضل حالاتها حين لا يشعر بها المريض.

رئيس الحكومة نواف سلام مطمئن، مطمئن إلى حد يثير القلق. يقول إن الدولة بسطت سيادتها على الجنوب، وإن الأمن يسود لبنان كما لم يحصل من قبل. يقول ذلك بهدوء رجل يعرف ما يقول، أو هكذا يبدو. أما الجنوب، ذلك المكان الذي لم يُبلَّغ بعد بهذه البشرى، فيواصل حياته اليومية بلا استعجال: يعدّ الغارات، يتأقلم مع الطائرات، ويؤجل الأمن إلى إشعار آخر.

الجنوبيون أناس غير متعاونين مع الخطاب الرسمي. لا يحسنون الإصغاء إلى الطمأنينة. يصرّون على النظر إلى السماء بدل النظر إلى البيان. وهذه، في بلد مثل لبنان، قلة وطنية واضحة. كان الأجدر بهم أن يتعلموا فن العيش الخطابي: أن يشعروا بالأمن لأن رئيس الحكومة قال ذلك، لا لأنهم يعيشونه.

السيادة، كما تُمارَس اليوم، فكرة أنيقة جداً، لا تحتاج إلى رادارات، ولا إلى سماء مغلقة، ولا حتى إلى حدود محترمة. كل ما تحتاجه هو جملة موزونة، تُقال في الوقت المناسب، وباللغة المناسبة. فإذا حلّقت الطائرات الإسرائيلية، فهذا لا ينفي السيادة. وإذا قُصفت قرية، فهذا لا يعني غياب الأمن. الأمن كما يبدو، مفهوم مرن يتسع لكل شيء، حتى لانتهاكه.

الجميل في الأمر أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف، لكنها على ما يبدو لم تعد مشكلة. تحوّلت إلى ضجيج خلفي، كصوت مولّد كهرباء لا يسمعه إلا من لا يملك بديلاً. أما من يجلس في مكان مضاء جيداً، فلا يسمع شيئاً.

رئيس الحكومة لا يكذب، هو فقط يتحدث عن بلد آخر، بلد نظيف، هادئ، محكوم بالقانون، تسوده الطمأنينة، وتُحترم فيه السيادة. بلد موجود في الخطاب لا في الجغرافيا. أما لبنان الذي نعرفه فهو بلد مريب، كثير الأسئلة، قليل التصديق، ويصرّ على ربط الكلمات بالوقائع، وهذا سلوك غير ديبلوماسي.

في الجنوب، يراقب الناس السماء لا بدافع الفضول، بل بدافع العادة. الطائرات الإسرائيلية جزء من المشهد، مثل الغبار، مثل الحر، مثل الانتظار. لكنهم رغم ذلك، يُفاجَأون حين يسمعون أن الأمن لم يكن يوماً أفضل. يتساءلون إن كانوا قد أساؤوا الفهم، أو إن كان الأمن قد غيّر شكله من دون أن يُخبرهم.

ربما الأمن هو أن تعتاد الخطر. ربما السيادة هي أن تتعايش مع انتهاكها. وربما الدولة، في نسختها الحديثة، هي تلك التي تطمئن مواطنيها بأن ما يرونه لا يعني ما يظنون.

في لبنان، لا تُقاس الأمور بحقيقتها، بل بقدرتها على الاستمرار. والاعتداءات الإسرائيلية مستمرة منذ عقود، فلماذا كل هذا التذمّر؟ أليست الاستمرارية شكلاً من أشكال الاستقرار؟ وأليس الاعتياد نوعاً من الأمن؟

المشكلة أن الناس رغم كل شيء، لا تزال تفهم الكلمات على معناها القديم. حين يُقال لهم "سيادة"، يظنون أنها تعني منع العدو من دخول الأرض أو السماء. وحين يُقال لهم "أمن" يتخيلون يوماً بلا خوف. وهذه تصورات رومانسية عفا عليها الزمن. السيادة اليوم أكثر تطوراً: هي القدرة على الإعلان عن وجودها رغم غيابها، والأمن هو فن إقناع الناس بأن ما يخيفهم لا يستحق الخوف.

رئيس الحكومة في هذا السياق، يؤدي دوره بإتقان. هو لا يصرخ، لا يتوعد، لا يبالغ. يكتفي بالتصريح. والتصريح في لبنان هو أعلى أشكال الفعل السياسي. ما دام قد قيل، فهو موجود. وما دام قد أُعلن، فلا داعي لإثباته.

أما الجنوب فمشكلته أنه لا يحترم هذا الترتيب. لا يزال يعتقد أن السيادة تُرى، وأن الأمن يُعاش، وهذا سوء فهم كبير. لو كان أكثر تهذيباً، لاكتفى بالتصفيق للخطاب، وترك الوقائع لأهلها.

ثم إن في كلام رئيس الحكومة راحة كبيرة. فهو يعفي الجميع من المسؤولية. إذا كانت السيادة قائمة، فلماذا القلق؟ وإذا كان الأمن مستتباً، فلماذا الاحتجاج؟ كل من يشير إلى خرق أو اعتداء يصبح تلقائياً متشائماً أو مبالغاً، أو أسير خطاب قديم لا يواكب العصر.

السلطة تحب هذا النوع من الأمن: أمن لا يحتاج إلى حماية، ولا إلى مواجهة، ولا إلى تكلفة سياسية. أمن يُدار بالكلمات ويُصان بالصمت، أما من يفسده بالإشارة إلى طائرة أو قصف أو انتهاك، فهو شخص غير متعاون مع الاستقرار.

في هذا البلد، لا تُحاسَب السلطة على ما تفعل، بل على ما تقوله. فإذا قالت الشيء الصحيح، فلا يهم إن كان صحيحاً، المهم أنه قيل، وهذا كافٍ مؤقتاً وربما دائماً.

اللافت، أن أحداً لا يطلب من رئيس الحكومة أن يشن حرباً، أو أن يغيّر موازين القوى، المطلوب فقط أن يسمي الأشياء بأسمائها، أن يقول إن السيادة منتهكة، وإن الأمن هش، وإن الجنوب لا يزال مكشوفاً. هذا الاعتراف وحده، أكثر سيادية من ألف تصريح مطمئن.

لكن الاعتراف متعب، يفرض أسئلة يستدعي مواقف، ويزعج الحلفاء، ويقلق الخارج. أما الطمأنينة اللفظية فهي مريحة للجميع، باستثناء من يعيش تحت الطائرات.

في النهاية، قد يكون رئيس الحكومة محقاً. ربما لبنان يعيش فعلاً أفضل أيامه الأمنية، وربما الجنوب ينعم بسيادة لا يراها إلا من يتقن النظر المجرد. وربما المشكلة ليست في الواقع، بل في الناس الذين يصرّون على تصديقه.

أما ألبير قصيري لو كان هنا لابتسم، كان سيقول إن السلطة لا تكذب حين تطمئن، بل حين تطلب من الفقراء أن يطمئنوا معها. وكان سيضيف بهدوئه المعتاد، أن أخطر ما في هذا البلد ليس الاعتداء، بل الاعتياد عليه… مرفقاً بابتسامة رسمية.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration