في كرة القدم اللبنانية، لا يحتاج السقوط دائمًا إلى ضجيج بل أحيانًا يكفي أن تطول الهزائم، وأن يتراجع الحضور، وأن يصبح الفريق خبرًا عابرًا في أسفل جدول التداول، حتى يبدأ النسيان بالتسلّل بهدوء.. هكذا يبدو حال فريق الراسينغ هذا الموسم.. نادٍ عريق، متذيل للترتيب، يقاتل في مساحة ضيّقة لا تُنصف تاريخه ولا تعبه وجهوده.
الراسينغ لا يخسر المباريات فقط، بل يخسر تدريجيًا موقعه في الذاكرة العامة للدوري. فريق يلعب بإمكانات محدودة، بلا صخب إعلامي، وبلا قدرة على تعويض الأخطاء أو ترميم النزف. الترتيب قاسٍ، لكن الأقسى أن يتحوّل النادي إلى رقم صامت، يُذكر عرضًا ثم يُطوى اسمه مع نهاية الجولة الأخيرة.
السؤال اليوم ليس إذا كان الراسينغ قادرًا على قلب الطاولة. لأن النسيان في كرة القدم اللبنانية لا يأتي كعقوبة معلنة، بل كإهمال طويل، يسبق السقوط النهائي. وبين فريق متذيل اليوم، ونادٍ حمل يومًا معنى المنافسة والحضور وحمل آمال اللبنانيين في الخارج حتى أطلق عليه لقب "السندباد"، يبقى الخطر الأكبر ألا يخسر الراسينغ مكانه في الدوري فقط… بل أن يخرج بهدوء من الذاكرة ويدخل عالم النسيان على غرار أندية عريقة سبقته مثل الثنائي الأرمني الهومنمن والهومنتمن والتضامن بيروت والشبيبة المزرعة والرياضة والأدب وغيرهم.
جورج كعدي
ومتابعة لهذا الملف المحزن والصعب الذي يعيشه فريق "القلعة البيضاء" كان لـ"الديار" لقاء مع أمين الصندوق جورج كعدي وعضو لجنة الإنقاذ الثلاثية الذي قال في مستهل كلامه: "مع نهاية الموسم الماضي تخلى الوزير ميشال فرعون عن دعمه للنادي لأسباب مجهولة لا أحد يعلمها، وتولى سعيد جريديني وجورج حنا المسؤولية بدلا من باولا فرعون وهما من أبناء النادي وقاما بواجبهما مشكورين، وفي هذه السنة قدما استقالتهما، وكاد الفريق أن ينسحب ويهبط إلى الدرجة الثانية فتواصلنا مع غابي قطينة ولكنه كان "ياخدنا ويجيبنا" وهات على وعود مع كل من تحاور معه، وبالتالي كان هناك رفض بتولي قيادة النادي... فقمت مع السيدين زياد سعادة وجورج مراد بتشكيل لجنة إنقاذية وتأمين الأموال الكافية وتجهيز الفريق قبل 3 ايام من انطلاق الدوري".
يتابع: "نعم الفريق مهدد فعليا بالهبوط بل أكثر من ذلك مهدد بالدخول في عالم النسيان.. وعلى ايام الوزير فرعون الذي بقي قرابة 10 سنوات لم يتم تأسيس هيكيلة ثابتة، وللأسف لا يوجد خلفنا حزب وهذا هو الحال المبكي والمؤسف في الحياة اللبنانية وحتى في كرة القدم، وفي أول الموسم نال حوالي 8 لاعبين كتاب الاستغناء ومنهم من بقي له في ذمة النادي رواتب مستحقة، طرقنا أبواب الأحزاب من القوات اللبنانية إلى الكتائب والتيار الوطني إلخ... ولم نلق آذانا صاغية حتى السيد أنطون صحناوي لم يتجاوب معنا لأنه لا يريد أن يدخل بخلاف مع الوزير فرعون".
وبحسب كعدي، فإن هدف حزب القوات اللبنانية إسقاط فريق الراسينغ إلى الدرجة الثانية حتى تخلو الساحة "المسيحية" لفريق واحد هو الحكمة، وهذا الكلام سمعه كعدي من الوزير السابق غسان حاصباني.
ويعتبر كعدي: "إن النائبة بولا يعقوبيان هي الوحيدة التي وقفت في الموسم الماضي والحالي مع النادي ودعمته ماديا لذا يمكن أن نطلق عليها لقب "بطلة الأشرفية" ونتوجه إليها بالشكر الجزيل على يدها البيضاء ودعمها، إضافة إلى بعض الأصدقاء المحبين والغيارى بالطبع".
يختم لـ"الديار": "إلى جمهور الراسينغ وكل القيمين أقول يجب الاحتكام إلى طاولة حوار، لأننا عندما استلمنا الفريق كان عليه دين مالي وأنا شخصيا لم اكن أعلم بهذا الأمر ولا أوجه اتهاما إلى اي جهة، بعد نهاية الموسم ستجرى انتخابات ولسنا طلاّب كراسي بل عملنا كان من أجل انقاذ النادي حتى لا يتم شطبه ويصبح من أندية الهواة".
علي أيوب
أما قائد الفريق اللاعب علي أيوب قال للديار: "نادي الراسينغ ليس بخير... حصلت مشاكل كثيرة عصفت بالنادي أبرزها غياب التمويل الذي اثر بشكل بالغ على الفريق وكما يعلم الجميع إن النادي كان قريبا جدا من عدم المشاركة في البطولة هذا الموسم وحتى كان مهددا بالانسحاب منها في فترة من الفترات لذا فإن غياب التمويل و البداية المتأخرة بالتحضير للموسم كانا السبب الرئيسي في هذا الوضع الذي نحن فيه اليوم".
يتابع: "نعم نادي الراسينغ مهدد فعليا بالهبوط الى الدرجة الثانية و هذا صعب جدًا تقبله .. اشكر المدرب القدير حسين عفش الذي تحمل مسؤولية كبيرة لا يحملها الا الرجال واقدم له جزيل الشكر ومن الامور الايجابية القليلة لهذا الموسم هي التعرف على شخص مثل حسين عفش الذي حاول كثيرا لكن الامور كانت جدا صعبة، أما لجنة الإنقاذ فهي مشكورة برئاسة السيد زياد سعادة والأساتذين المحترمين جورج مراد و جورج كعدي لأنها حاولت وما زالت تحاول ان يبقى نادي الراسينغ على "قيد الحياة"، وأيضا المدرب جايمس حميد جاء مشكورا ايضا ليقدم يد العون لنا وللنادي ونتمنى له كل التوفيق وسوف نكون يد واحدة معه ومع اللاعبين الجدد لنقدم صورة جيدة و افضل من مرحلة الذهاب ولم لا نقاتل من اجل البقاء فهو حق مشروع لنا طالما لم نهبط رسميا..".
يختم أيوب: "أشكر جريدة الديار التي تواكب ملف هذا النادي التاريخي العريق وتلقي الضوء على المعاناة بل المأساة، أما بالنسبة للجمهور اقدر موقفهم واقدر حبهم للنادي وخوفهم عليه فأنا اعرفهم جيدا هم دائما يتمنون ان يكون النادي على افضل حال لكن الوضع صعب جدا هذه الفترة.. في النهاية هذا موسمي التاسع وربما يكون الاخير فعقدي ينتهي في نهاية هذا الموسم، احاول في كل مباراة ان اقدم كل شيء على ارض الملعب، فأنا قدمت كل شيء لهذا النادي والنادي لم يبخل عليّ ابدا وافضاله كثيرة فمن واجبي أن أرد الجميل والافضال في هذه الاوقات الصعبة".
الخسارة قد تُعوَّض، لكن النسيان لا.. والراسينغ اليوم أمام امتحان الوجود، لا النتائج، فإما أن يُلتفت إلى أزمته، أو يُترك ليغيب بصمت، وما يحتاج إليه سندباد الكرة اللبنانية الآن ليس شفقة ولا خطابات، بل اعترافًا بحقه في أن يبقى حاضرًا… قبل أن يُغلق النسيان دائرته.
2 min read